مناصب شغل موسمية تخلقها تشريعيات 23 شتنبر …
أمام حالة «الهرج والمرج» التي تطبع الساحة السياسية حتى قبل انطلاق الحملة الانتخابية، هناك حركة اقتصادية أخرى، ساهمت فيها بشكل مباشر اللقاءات التواصلية لقيادات الأحزاب السياسية، قبل أن يرتفع مؤشر مداخيل قطاعات إنتاجية متنوعة مباشرة بعد انطلاق الحملة الانتخابية، التي ستستمر إلى غاية منتصف ليلة 22 شتنبر الجاري.
شغيلة الحملة الانتخابية
من بين المشاهد التي أضحت تتكرر عند كل استحقاقات انتخابية، هو مساهمة العملية الانتخابية في إحداث مناصب شغل «موسمية» لفائدة مجموعة من العاطلين عن العمل، حيث يتم اللجوء إلى كراء «مناضلين» لتأطير ودعم الحملات الانتخابية للمرشحين والمرشحات، بعدما شكلت المحطة الانتخابية والمهرجانات الخطابية خلال الفترة الأخيرة، محط اهتمام شركات ومقاولات متخصصة في تنظيم الحفلات، حيث يجري الاتفاق مع صاحب المقاولة على «كل شيء»، بما في ذلك عدد الحضور ونوعيته، في حين يختار صغار المنتخبين البحث عن اليد العاملة التي بإمكانها الاشتغال طيلة فترة الحملة الانتخابية، وفق منطق أكبر منفعة بأقل تكلفة، وهي التكلفة التي تختلف قيمتها بين جماعات المجالين الحضري والقروي، وتعتمد على «سخاء» وكيل اللائحة الانتخابية الذي ينتقي «العاملين الموسميين» بذكاء شديد، يستحضر معايير «الشعبية» والقدرة على الإقناع، وتشعب العلاقات والانتماء القبلي، وغيرها من المواصفات المطلوبة.
وفرضت التغيرات التي يعرفها المشهد الانتخابي بالمغرب، الذي يعتبر نتاج سلوك سياسي بئيس بات متعارفا عليه بين كافة الأحزاب السياسية، بعدما انقرضت «فئة المناضلين»، التي كانت الأحزاب على الأقل إلى حدود نهاية الألفية الثانية، تسهر على تكوينهم وتأطيرهم، وتسهر على تدرجهم ضمن الهياكل التنظيمية للحزب، فرضت هاته المتغيرات استنجاد وكلاء اللوائح بعاطلين عن العمل، سيما أن جل وكلاء اللوائح الانتخابية لا علاقة لهم بالأحزاب التي يمثلونها، والتي ينظر إليها من طرف «مول الشكارة» على أنها دكاكين تعرض للبيع «تزكيات» قبعات حزبية بأسعار تختلف قيمتها بحسب أقدمية الحزب السياسي، ومدى قدرته على المشاركة في الحكومة المقبلة.
ولم يعد يشكل عمل شغيلة الحملة الانتخابية لأكثر من حزب سياسي خلال الفترة نفسها، والتواصل مع المواطنين بأكثر من قبعة حزبية، أي حرج للطرفين، ما دام إقناع الناخبين بالبرامج الانتخابية هو آخر اهتمامات ممتهني العمل السياسي.
إن شغيلة الحملة الانتخابية باتت تجد المناسبة فرصة لتنمية الموارد المالية، خاصة بمناطق تشتهر بسخاء وكلاء اللوائح، إلى درجة أن ذلك شكل فرصة للكثير من العاطلين، ومكنهم من الجمع بين مداخيل العمل بالحملة الانتخابية لفائدة أكثر من حزب سياسي، والعمل بمكاتب التصويت يوم الاقتراع بعد ضمان وجبتي الإفطار والغداء ومصاريف التنقل صوب مركز التصويت، على أساس تلقي أجر مراقبة مكتب التصويت مباشرة بعد تسليم «المحضر» إلى وكيل اللائحة أو من ينوب عنه، ولا يشكلون في هذا العمل استثناء وإنما يستفيد إلى جانبهم أطر هيئة التدريس والإدارة التربوية بوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة وموظفو الجماعات الترابية ووزارة الداخلية، الجميع يحصل على نصيبه من العمل الموسمي الذي يتطلبه موسم الانتخابات.
صفحات «فيسبوكية» للكراء
بينما لا يزال المشهد الإعلامي ينتظر التنظيم والضبط، وتفعيل الإجراءات الزجرية في حق جيش المنتحلين لصفة صحافي، بعدما اعتاد هواة حمل كاميرات هواتفهم النقالة لملاحقة المنتخبين والمسؤولين، وانتظار صرف «مكافآت» لهم عن نقل خطابات السياسيين عبر صفحات يسيرونها على مواقع التواصل الاجتماعي، فقد أبدع هؤلاء العاطلون الذين يملكون الإقامة الدائمة بفضاء «فيسبوك»، كل بحسب عدد المتابعين لصفحته، في عرض صفحاتهم للكراء، والتفاوض مع السياسيين ووكلاء اللوائح الانتخابية حول المبالغ المالية المطلوبة مقابل تمكينهم من حملة انتخابية «رقمية»، يعتقد المرشحون والمرشحات بالدوائر الانتخابية أنها كفيلة بحث الناخبين والناخبين على التصويت لفائدتهم على أمل نيل مقعد برلماني، واكتساح صناديق الاقتراع يوم 23 شتنبر بـ«اللايكات» و«الإعجاب» و«الباراطاج».
غير أن الكثير من الراغبين والراغبات في ولوج قبة البرلمان، ونيل الشهرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، واستعمال الحملة الانتخابية «الرقمية»، ربما لا يعلمون أنهم يُمَكِّنُونَ خصومهم من دليل مادي وتوثيق بالصوت والصورة لأي خروقات انتخابية قد تسقط البرلماني، وتجرده من عضوية مجلس النواب مباشرة، بعد إحالة شكاية ضده من طرف خصمه السياسي الذي لن يتردد في طرق أبواب القضاء المختص، للطعن في مشروعية الحملة الانتخابية.
والغالب أننا خلال الولاية الحالية سنكون أمام سلسلة من الطعون الانتخابية بسبب الجهل بالقوانين، و«الرعونة» المعبر عنها من طرف مجموعة من السياسيين، وبالتالي سنكون على موعد مستقبلا مع تنشيط آخر للحركة الاقتصادية، بسبب الحملات الانتخابية التي ستخصص للانتخابات الجزئية بعدد من الدوائر، ولئن كان التجريد من عضوية مجلس النواب بسبب ارتكاب البرلماني لخروقات انتخابية يشكل مصيبة للحزب ولوكيل اللائحة، فإن هذه المصيبة لها فوائد كثيرة عند شغيلة الحملة الانتخابية، رقميا وورقيا.
المطابع ووكالات كراء السيارات
من حسنات الحملات الانتخابية المتعلقة بالاستحقاقات الانتخابية المقبلة، الرواج الكبير الذي عرفه نشاط مجموعة من مقاولات وشركات كراء السيارات والحافلات وغيرها من وسائل النقل، حيث تتطلب تغطية وكلاء اللوائح الحزبية لكافة النفوذ الترابي الذي يقع ضمن الدائرة الانتخابية المتنافس داخلها حول المقاعد البرلمانية، توفير اللوجيستيك المطلوب، بحكم أن شغيلة الحملة الانتخابية تشترط توفير «السيارات» التي يختلف شكلها بحسب طبيعة التضاريس.
وفي هذا الصدد، كشفت مصادر «الأخبار» أن وكالات كراء السيارات يجني أصحابها خلال موسم الانتخابات أرباحا مالية جد مهمة، بحكم ان مدة عقد كراء أسطول السيارات لا يقل عن شهر، مع تضمين العقود لشروط تتعلق بتحمل مصاريف ونفقات إصلاح أي خسائر مادية تلحق السيارات المكتراة لفائدة وكيل اللائحة، الذي غالبا ما يلزم بوضع شيك ضمان، وفي الكثير من الأحيان يتم تسجيل انقلاب سيارة «الكراء»، أو تعرضها لحادثة سير بخسائر مادية، يتم تقييم قيمة التعويض المتعلق بها، وفق «مزاج» صاحب وكالة الأسفار.
المثير في عملية كراء السيارات وحتى الحافلات، بعدما اختار بعض وكلاء اللوائح كراء حافلات مخصصة في الأصل لنقل المستخدمين، والتي يظهر أنها أيضا صالحة لنقل المناصرين وشغيلة الحملة الانتخابية صوب مناطق بعيدة لملء المقاعد المخصصة للمهرجات الخطابي، داخل خيمة بدورها جرى كراؤها من «ممول الحفلات»، الذي يتكفل بتوفير الصوتيات وبعملية تصوير اللقاء الحزبي وتوفير المأكل والمشرب، (المثير) هو حرص وكلاء اللوائح في تعاملهم مع وكالات كراء السيارات على تشغيل عدد من السائقين المحترفين، الذين يوثق في إتقانهم للسياقة حتى لا يتعرضون لابتزاز بعض شركات كراء السيارات، وطبعا فأجرة السائق الخاص تكون مرتفعة مقارنة براتب باقي مكونات شغيلة الحملة الانتخابية.
الأخبار

