تصدع داخل البيت الاستقلالي بكلميم واد نون: تجميد عضوية عدد من المناضلين يكشف أزمة تنظيمية قبل الاستحقاقات
في تطور يعكس حجم الاحتقان داخل حزب الاستقلال بجهة كلميم واد نون، أعلن عدد كبير من المناضلين والمناضلات تجميد عضويتهم في هياكل الحزب، احتجاجاً على ما وصفوه بسوء تدبير الشأن التنظيمي وملف التزكيات، في مرحلة دقيقة تسبق الاستحقاقات الانتخابية.


وحسب العريضة المتداولة، فإن الموقعين يعتبرون أن تدبير المرحلة اتسم بتدخلات فوقية، وتجاوز للهياكل المنتخبة، وإقصاء لمناضلي الجهة من المشاركة الفعلية في صناعة القرار. كما عبّروا عن رفضهم لما اعتبروه فرضاً لاختيارات ومرشحين لا تعكس إرادة القواعد الحزبية، مع اتهامات بتدبير ملف التزكيات بمنطق الوصاية وتوزيع النفوذ وتصفية الحسابات.
لكن ما يلفت الانتباه في هذه الواقعة ليس فقط حجم الاحتجاج، بل توقيته أيضاً. فتجميد العضوية قبيل الاستحقاقات لا يقرأ باعتباره خلافاً تنظيمياً عادياً، بل كمؤشر على أزمة ثقة بين جزء من القواعد والجهات التي تدبر القرار داخل الحزب. وفي السياسة، لا يكفي توفر حزب على مرشحين أو رموز انتخابية؛ إذ إن القوة الحقيقية لأي تنظيم تبدأ من تماسك صفوفه وقدرته على تحويل مناضليه إلى قوة ميدانية مقتنعة ومنخرطة.
أزمة ثقة أم صراع حول التزكيات؟
لطالما شكّل ملف التزكيات أحد أكثر الملفات حساسية داخل الأحزاب المغربية، لأنه يجمع بين التنافس السياسي، والطموح الشخصي، وحسابات المواقع الانتخابية. غير أن الإشكال يتجاوز التنافس المشروع عندما تشعر القواعد بأن القرار يُتخذ بعيداً عنها، أو أن الهياكل المحلية والجهوية تتحول إلى مجرد واجهات لتزكية اختيارات جاهزة.
المحتجون في كلميم واد نون يربطون قرارهم بما يعتبرونه مساساً باستقلالية القرار الحزبي الجهوي، ويطالبون باحترام إرادة المناضلين والهياكل التنظيمية. وفي المقابل، يظل من الضروري انتظار موقف رسمي ومفصل من قيادة حزب الاستقلال، لتوضيح خلفيات تدبير التزكيات، والرد على الاتهامات الواردة في العريضة، وتبيان ما إذا كانت هناك آليات داخلية للحوار والتحكيم التنظيمي.
فالمعادلة هنا بسيطة: إما أن يتحول الخلاف إلى فرصة لتصحيح المسار وفتح حوار داخلي مسؤول، أو يستمر التراكم إلى أن يصبح الانقسام عبئاً انتخابياً وسياسياً يصعب احتواؤه.
من يدفع ثمن الانقسام؟
أول من يدفع ثمن أي تصدع تنظيمي هو الحزب نفسه. فكلما اتسعت دائرة الاحتجاج، تراجعت قدرة التنظيم على التعبئة، وازدادت صعوبة توحيد الخطاب الانتخابي، كما يصبح الناخب أمام صورة حزب منشغل بصراعاته الداخلية أكثر من انشغاله بقضايا الجهة وانتظارات المواطنين.
أما بالنسبة إلى مناضلي الحزب، فإن استمرار منطق الإقصاء أو غياب التواصل قد يؤدي إلى مزيد من العزوف، أو إلى تجميد أوسع للعضوية، أو إلى ابتعاد كفاءات محلية كان يمكن أن تشكل قيمة مضافة في الاستحقاقات المقبلة.
ولا يتعلق الأمر فقط بمقاعد انتخابية أو بأسماء مرشحين، بل بصورة الحزب في جهة لها خصوصيتها السياسية والاجتماعية، وتحتاج إلى تنظيمات قادرة على إنتاج نخب محلية، وتقديم خطاب واضح حول التنمية والتشغيل والبنيات الأساسية وتمثيلية الساكنة.
الحاجة إلى جواب سياسي وتنظيمي
البلاغ الاحتجاجي يضع قيادة حزب الاستقلال أمام اختبار حقيقي: هل ستتعامل مع هذا الصوت باعتباره مجرد اعتراض ظرفي، أم ستنظر إليه كرسالة إنذار بشأن وضع تنظيمي يحتاج إلى معالجة؟
أي جواب جدي يفترض، أولاً، الاستماع إلى المناضلين المحتجين دون تخوين أو إقصاء. ويفترض، ثانياً، توضيح معايير التزكيات والقرارات التنظيمية للرأي العام الحزبي. كما يقتضي، ثالثاً، إعادة الاعتبار للحوار داخل المؤسسات الحزبية، حتى لا تتحول الخلافات الطبيعية إلى قطيعة سياسية وتنظيمية.

